عبد الوهاب الشعراني
104
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
ولما مرض رضي اللّه عنه اجتمع الناس والدواب على بابه لعيادته حتى امتلأت الشوارع والدروب ، ولما قبض صاح الناس وعلت الأصوات بالبكاء وارتجت الدنيا لموته وخرج أهل بغداد إلى الصحراء يصلون عليه فحزروا من حضر جنازته من الرجال ثمانمائة ألف ومن النساء ستون ألف امرأة سوى من كان في الأطراف والسفن والأسطحة فإنهم بذلك يكونون أكثر من ألف ألف وفي رواية بلغوا ألفي ألف وخمسمائة ألف وأسلم يومئذ عشرون ألفا من اليهود والنصارى والمجوس رضي اللّه عنه . 95 - ومنهم أبو محمد سفيان بن عيينة رضي اللّه عنه : حفظ القرآن وهو ابن أربع سنين وكتب الحديث وهو ابن سبع سنين وكان يقول من لا تنتفع به فلا عليك أن لا تعرفه وكتب مرة إلى أخ له أما آن لك يا أخي أن تستوحش من الناس ولقد أدركنا الناس وهم إذا بلغ أحدهم الأربعين سنة جن على معارفه وصار كأنه مختلط العقل من شدة تأهبه للموت . وكان إذا أعطاه الناس شيئا يقول أعطوه لفلان ، فإنه أحوج مني وكان يقول من صبر على البلاء ورضى بالقضاء فقد كمل أمره وكان يقول بحسب امرئ من الشر أن يرى من نفسه فسادا لا يصلحه ، وكان يقول خصلتان يعسر علاجهما ترك الطمع فيما بأيدي الناس ، وإخلاص العمل للّه ، وكان يقول إذا كان نهاري نهار سفيه وليلي ليل جاهل فما ذا أصنع بالعلم الذي كتبت وكان يقول من زيد في عقله نقص من رزقه . وكان يقول : لا إله إلا اللّه بمنزلة الماء في الدنيا ، فمن لم يكن معه لا إله إلا اللّه فهو ميت ومن كانت معه فهو حي ، وكان يقول ما أنعم اللّه عزّ وجل على العباد نعمة أفضل من أن عرفهم لا إله إلا اللّه وإن لا إله إلا اللّه في الآخرة كالماء في الدنيا وكان يقول من فسر حديث « من غشنا فليس منا » ونحوه على أن المراد ليس هو على هدينا وحسن طريقتنا فقد أساء الأدب فإن السكوت عن تفسيره أبلغ في الزجر . وكان رضي اللّه عنه يقول الزهد في الدنيا هو الصبر وارتقاب الموت ، وقال حرملة أخرج لي سفيان بن عيينة رغيف شعير من كمه وقال لي دع ما يقوله الناس فإنه طعامي منذ ستين سنة وكان رضي اللّه عنه يقول ليس من حب الدنيا طلبك ما لا بد منه وكان يقول ماء